الشيخ محمد رشيد رضا
614
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الملائكة يقاتلونهم معهم فيفلقون منهم الهام ، ويقطعون من أيديهم كل بنان ، فأي مزية لأهل بدر فضلوا بها على سائر المؤمنين ممن غزوا بعدهم وأذلوا المشركين وقتلوا منهم الألوف ؟ وبماذا استحقوا قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم لعمر ( رض ) « وما يدريك لعل اللّه عز وجل اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم ؟ » رواه البخاري ومسلم وغيرهما . وفي كتب السير وصف للمعركة علم منه القاتلون والآسرون لأشد المشركين بأسا - فهل تعارض هذه البينات النقلية والعقلية بروايات لم يرها شيخ المفسرين ابن جرير حرية بأن تنقل . ولم يذكر ابن كثير منها الا قول الربيع بن أنس كان الناس يوم بدر يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوا بضرب فوق الأعناق وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به . ومن أين جاء الربيع بهذه الدعوى ؟ ومن ذا الذي رؤي من القتلى بهذه الصفة ؟ وكم عدد من قتل الملائكة من السبعين وعدد من قتل أهل بدر غير من سموا وقالوا قتلهم فلان وفلان ؟ كفانا اللّه شر هذه الروايات الباطلة التي شوهت التفسير وقلبت الحقائق حتى أنها خالفت نص القرآن نفسه ، فاللّه تعالى يقول في إمداد الملائكة ( وَما جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ ) وهذه الروايات تقول بل جعلها مقاتلة وان هؤلاء السبعين الذين قتلوا من المشركين لم يمكن قتلهم الا باجتماع الف أو ألوف من الملائكة عليهم مع المسلمين الذين خصهم اللّه بما ذكر من أسباب النصرة المتعددة ! ألا ان في هذا من شأن تعظيم المشركين ورفع شأنهم وتكبير شجاعتهم وتصغير شأن أفضل أصحاب الرسول وأشجعهم مالا يصدر عن عاقل الا وقد سلب عقله لتصحيح روايات باطلة لا يصح لها سند ولم يرفع منها الا حديث مرسل عن ابن عباس ذكره الآلوسي وغيره بغير سند وابن عباس لم يحضر غزوة بدر لأنه كان صغيرا فرواياته عنها حتى في الصحيح مرسلة وقد روى عن غير الصحابة حتى عن كعب الأحبار وأمثاله * * * ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ أي ذلك الذي ذكره كله من تأييده تعالى للمؤمنين وخذلانه للمشركين بسبب انهم شاقوا اللّه ورسوله أي عادوهما فكان